لاكروا – 16 كانون الثاني ٢٠١٥
وُجِّهت الدعوة إلى رندا قسيس، وهي شخصية علمانية من المعارضة السورية، للمشاركة في المفاوضات المزمع عقدها في موسكو بين سوريين من نظام الأسد وأعضاء من المعارضة في نهاية كانون الثاني/يناير.
غادرت منذ زمن بعيد بلدها الأم سوريا، لكنها تسعى إلى المشاركة في ولادته من جديد. وُلدت رندا قسيس في دمشق عام 1970، ونشأت في إطار عائلي معقّد: والدها، من طائفة الروم الملكيين الكاثوليكيين، كان معارضاً لنظام عائلة الأسد، بينما كانت والدتها، الروم الأرثوذكس، مناصرة للحكومة.
هل كان ذلك السبب وراء ابتعادها المبكر وتحولها إلى مناصرة شرسة للعلمانية؟ في عام 1979، التحقت بوالدها في الجزائر. كان أستاذاً في علم النفس، وقد غادر الأجواء القمعية لبلد كان فيه الإخوان المسلمون يحاولون إسقاط النظام بالقوة. بعد ثلاث سنوات، عادت إلى دمشق.
حتى بلوغها السابعة عشرة، بذلت قصارى جهدها لعيش “حياة طبيعية”، دون انخراط سياسى. تجنبت الالتحاق بـ “الشبيحة”، الحركة الشبابية لحزب البعث الحاكم. وتقول: “تعلمت أن أقول لا. تعلمت كيف أتمرد”. لكنها تضيف: “في ذلك الوقت، كانت الحياة السياسية قضية خاسرة” بسبب التهديدات التي طالت معارضي النظام. بعض أصدقاء والدها المقرّبين قضوا سنوات في السجن.
رحلت مرة أخرى “بحثاً عن ذاتها”، فجرّبت الرسم والسفر. استقرت في شتوتغارت بألمانيا، ثم في فرنسا، حيث وُلدت ابنتها عام 1997. تدربت على الفنون القتالية، وخاصة الكيك بوكسينغ، الذي وصفته بأنه “طريقة جيدة لتعلّم ضبط النفس، وفهم الأشياء، واكتساب الثقة”. وانجذبت إلى المسرح، فالتحقت لفترة قصيرة بمدرسة فلوران للفنون الدرامية.
بدأ نشاطها السياسي عام 2007، قبل أربع سنوات من الثورات العربية. كانت تتابع ما يُقال ويُكتب في شبكات التواصل الاجتماعى بالعالم العربي. وتوضح: “تواصلت مع مجموعات من الشباب المطالبين بحرية التعبير، والرافضين للخطاب الديني الذي يثقل المجتمعات العربية”. وكانت تستشعر رغبة التغيير في مصر وتونس. وتضيف: “الوضع في سوريا كان أكثر خطورة بسبب تباين المجتمع وتعدد الأطراف الإقليمية المنخرطة فيه”.
نشرت مقالات في الصحافة العربية نددت فيها بالدعوة الإسلامية التي تروج لها السعودية وإمارات الخليج، وانتقدت “الإسلام المعتدل” في تركيا. أسست حركة المجتمع التعددي، وساهمت في إنشاء جمعية حماية الحق في حرية التعبير في العالم العربي. ومع اندلاع الحرب الأهلية، انضمت إلى منتدى المعارضة، المجلس الوطني السوري، ممثلةً ائتلافاً علمانياً. لكنها استُبعدت من التنظيم في آب/أغسطس 2012 بسبب انتقاداتها الحادة للإسلاميين.
تؤمن قسيس بقوة الأقليات ودورها في المجتمع. ولشغفها بعلم الإنسان، ترفض الاصطفاف إلى أي جماعة بعينها. وتقول: “ما يهمني هو تغيير نظرة الناس. هذا ما دفعني للكتابة. لكن الكتابة ليست كافية؛ لا بد من امتلاك القدرة على تغيير الأمور. كوني امرأة مستقلة قد يساعد؛ كما أنه يتيح لي دفع الحدود أبعد”.
ومنذ ذلك الحين، تسعى لإسماع أصوات المطالبين بمسار مختلف. وبالاشتراك مع الكاتب ألكسندر دل فال، نشرت كتاباً يدعو إلى الحوار السياسي، والمصالحة الوطنية، وحماية الأقليات، ومحاربة “الشمولية الخضراء”. وقد وُجّهت إليها دعوة باسم حركة المجتمع التعددي، مع 27 عضواً معارضاً آخرين، للمشاركة في اجتماع بموسكو بين 26 و30 كانون الثاني/يناير للتحضير لحوار محتمل مع النظام.
وتوضح: “خمسة عشر معارضاً قبلوا الدعوة. لكنني لا أعتقد أن أعضاء الائتلاف الوطني السوري سيحضرون”. يُعترف بالائتلاف في بعض الدول، ومنها فرنسا، باعتباره السلطة السياسية للمرحلة الانتقالية.
وتقول قبل صعودها إلى الطائرة: “الهدف متواضع. فلن يحسم هذا الاجتماع شيئاً. لكن الروس نجحوا في إرغام النظام السوري على المشاركة في المفاوضات، وهذا بحد ذاته أمر إيجابي. ما يثير الاهتمام في هذه المبادرة هو أنها تعيد تسليط الضوء على قضية سوريا التي نسيها الجميع”.
وبينما يقترب الصراع من عامه الرابع، تؤمن رندا قسيس بأن هذه اللحظة مناسبة للتوصل إلى حل سياسي. وتقول: “لأن كل شيء آخر قد فشل”.